حرية روح تقبع وراء الشمس

اذهب الى الأسفل

حرية روح تقبع وراء الشمس

مُساهمة  الغالي علوش في الإثنين أغسطس 25, 2008 3:57 am

بسم الله الرحمن الرحيم..
حرية روح..تقبع وراء الشمس
في ذلك المكان الذي يبنى وراء الشمس..والذي يظله بدلا من أشعتها .. قضبان مثل أشجارا شائكة ..ذلك المكان الذي ليس للقمر فيه ملاذ، ولا للنور شرفة يتسلل منها،ويوجد به ..مالا يوجد بغيره..فطعامه هو الضرب وشرابه التعذيب النفسي،ولا راحة فيه لجسد..وإنما تنشد الروح راحتها في بضع آيات من القرآن ..محفورة منذ الصغر..هناك الروح لا تجد لها متعة سوى مناجاة ربها وبث شكواها إليه من ذلك الجسد المتعب ..فهو سبحانه..لا يضيع من جاهد وتعذب في سبيله..
هناك..وفي الجو الضبابي المظلم الرطب ،المبلل بآثار الدماء وأشلاء الأحياء والموتى كان حمزة يجلس مثل العادة في زاوية السجن الكابوس ،يقرأ في كتبه التي لم يكل لحظة من قراءتها مع صديقه عمار الذي تعرف عليه قبل أيام من دخولهما السجن معا ، ويكتب في ذاك الدفتر الذي يأمل أن ينير ما يكتب به ..لمن لم يستطع رؤيتهم في جوف هذا الظلام .يقرأ ويكتب في الوقت الذي يتعب أولئك القساة من تعذيبه وضربه بلا رحمة،وبعدها يزحف نحو زاويته ليبدأ من جديد في القراءة والكتابة مجففا جرحا من هنا ..ومتلمسا رجله التي لا تستطيع الوقوف ورقبته التي لا تستطيع التحرك بسهولة من جراء أساليب التعذيب المبتكرة .
لقد كانت أهداف حمزة . أكبر من أن يسحقها ذلك المكان..فرغم أنه في هذا التعذيب المستمر والقيود الجسدية الغليظة..إلا أن أقسم أن يغير في هذه الدنيا شيئا ..أن يحقق هدفا ،ولا عجب ..فإذا كانت النفوس عظيمة ..تعبت في مرادها الأجسام.
مهددون يوميا بالإعدام لكنه يعلم أنهم لن يعدموه حتى يستنفذوا كل ما تريده نفوسهم الدنيئة ، واستخباراتهم القذرة منه .
-هيا يا شباب..
-ماذا هناك ..
-نريد أن نعمل إحياء جماعيا الليلة لكي ندعو لعمار أن يخففوا عنه التعذيب فقد أخذوه إلى ...الغرفة المظلمة..
صمت الجميع.. في الغرفة المظلمة ؟رغم شدة حمزة وقوته فقد أحس أن جسده يهتز من تلك الكلمة،ودارت لقطات سريعة من سلخ اللحم وفصل الأظافر وفقأ العيون وبتر الأعضاء و..و لقد كانت الغرفة السرية أسلوبا جديدا في التعذيب فهي غرفة مظلمة لا تعرف ماذا سيحصل لك فيها بينما كانت أمكنة التعذيب الأخرى معروفة على الأقل ..والآن هاقد جاء دور عمار أخوه الحبيب رفيقه في سجنه وفي قراءته وفي أشجانه......
وقطع حبل أفكاره: هيا يا شباب ،وجميعا في صوت واحد مبتهل إلى الله ..تختلط به دموع التضرع من قلب هذا وذاك ..
ياذا العزة والجبروت ..يارب نسألك بكل اسم هو لك أن تخفف عنه..آمين..اللهم كن معه وأيده بنصره ..آمين..اللهم أعنه وتغمده بعين لطفك يارب ..آمين..آمين..أكملوا الدعاء وجلسوا على هيئة حلقة وبدأو بوردهم اليومي ..وقرأ حمزة عوضا عن عمار..وانتهوا بجو روحاني عجيب ..وقلوب خائفة على أخيهم الغالي ..لا عجب فقد كانت العلاقة التي تجمع بين سجناء الجهاد علاقة لا توصف بحب أو بأخوة..بل لقد كان الواحد منهم يفتدي أخاه بنفسه..ويحميه بالأحداق والآماق..ولذلك كان وقع مصيبة عمار كبيرا عليهم وخاصة على أخيه العزيز ..حمزة..
في تلك الليلة ..ولأول مرة..لم يفتح عمار كشافه ولا قنديله الخافت..ليقرأ في جوف الظلام..فقد تأثر بغياب رفيقه أيما تأثر ..وقرر أن لا يقرأ لذلك اليوم متأملا بيوم جديد يأتي به عمار سالما..ذهب لينام قليلا قبل أن تبدأ نوبة التعذيب التالية..والتي تتمثل في إبقاء مجموعة من السجناء واقفين على رؤوس أصابعهم بالإضافة لرفع الأيادي وبلا طعام أو شراب ومن يغفو منهم فإنه سوف يأخذ ضربة على رأسه تكفيه للاستيقاظ بضعة أيام أخرى..ولكن لم يقع الاختيار عليه في ذلك اليوم فحمد الله وجلس يفكر ويفكر في ألغاز قد حصلت معه مسبقا لكن لم يسعفه الوقت ليحلها قبل ذلك.
ومرت ثلاثة أيام..ولم يعد عمار من تلك الغرفة..وحمزة ما يزال على حاله.. نوبات تعذيب..دعاء لعمار..شكوى إلى الله..
أحس حمزة –ذلك الشاب الذي اشتهر بذكائه وملائكيته-أن عمار قد أصبح مصيره مجهولا لأن من يدخل تلك الغرفة مفقود ومن يرجع منها مولود..فقرر أن يواصل قراءته وكتابته بنفسه وهو يغالب يأسه بقول ..سيعود إلينا ويعوض ما فاته بغيابه مما قرأت إن شاء الله..وبعد أن ذرف دمعتين من صميم قلبه فتح الكتاب والدفتر وبدأ بنوبته اليومية..لكنه رأى كتابا يبعد عنه بضعة أمتار..فقام ليجلبه فإذا بورقة تسقط من الكتاب الذي يحمله ..لا يدري حمزة لم أحس أن روحه تهوي معها مع أنه لا يعرف ما بداخلها ..أحس أن بها شيئا غريبا غير معتاد..تناول حمزة الورقة الملقاة..وما كاد ينظر إليها حتى تسمر مذهولا،وكأنما أصيب بضربة عنيفة على رأسه ،وأفاق في النهاية..على صوت السجان يناديه بأن يأتي بسرعة . فدس الورقة في الكتاب وهو لم يكملها بعد ..مع خوفه الشديد من أن يقرأها أحد غيره..لاحظ حمزة أن المحقق ينأى به نحو غرفة التحقيق لا غرفة التعذيب ..
-أهلا يا حمزة -أهلا..
- كيف حالك؟ -بخير قبل أن أراك
-لا تقلل من أدبك فأنت تعرف نتيجة ذلك -لم يبق شيء لم تفعلوه بنا
- حسنا لدي اليوم يا حمزة كنوز عظيمة من المعلومات عنك وعن أصحابك ..
وبدأ المحقق في الكلام وحمزة مذهول متسمر في مكانه..فقد لمح عقله شيئا تمنى أن لا يكون صحيحا..و..وانتهى التحقيق بصمت حمزة عن كل شيء ووعيده بأقسى أنواع العذاب..
جر إلى السجن..ودخل وبدأ بالصراخ والبكاء .لأول مرة ..وهو في حالة تشبه الهستيريا..فقط..لمجرد شكه وتحليله للموضوع الذي كان يدور في نفسه..
أصحاب حمزة حوله سوف يجنون .. فهل هذا هو حمزة البقوي الثابت الأشم..يبكي؟؟ولم؟؟
وبعد أن هدأ..وطلب من رفاقه أن يذهب كل واحد منهم في طريقه..أسند رأسه إلى الحائط وذاكرته تدور وتدور ..وهو يحلل ويكتشف أشياء كثيرة لم يستطع لها حلا..رغم أنه كان أبرع واحد في حل الألغاز..ثم أخذ الكتاب الذي وجد به الورقة بيدين مرتجفتين ليكمل ما كان مكتوبا فيها..
فتحها وبدأ يقرأ بصوت خافت مبحوح..مشوب بلحن القهر والألم:
أخي وحبيبي حمزة ..هذه الرسالة من عمار الذي أوهمتكم أنه قد ذهب إلى الغرفة السرية،لا أدري ماسبب فضحي لنفسي في هذه الرسالة رغم أن صورتي عندكم كانت رائعة تماما..ولكن لا بد منها لأن شعوري بذنبي يقتلني ويقض مضجعي والحرية التي حصلت عليها الآن هي أكبر قيد لي ..فدعني أعترف وأفرغ مافي نفسي عل الله يغفر لي ماقد جنيت..أنا الذي بلغت عنك وعن رفاقك في يوم تنفيذكم العملية ..عندما أتى الأعداء وقبضوا عليكم..أنا الخائن الذي أخبرت أعداءكم بكل خططكم وأسراركم..أنا الذي خدعتكم بصورة عمار التقي النقي الملائكي..ولكن صدقني إن شعوري بذنبي يقتلني وإني تبت إلى الله توبة نصوحا ..فأرجو منك ن تسامحني واطلب من رفاقك أن يسامحوني على ما فعلت بك وبهم..وسلام الله عليك..
طوى حمزة الورقة وضغط عليها بكل قوته..وبحث عن علبة الكبريت..ثم أشعل في الورقة عود ثقاب وراح يراقبها وهي تحترق وقد ندت عن صدره آهة ارتياح وهو يفرك رماد الورقة ويلقي به..ثم أسند رأسه وهو يقول..لن أشوه صورة ذلك الملاك.لن أقول لأحد ما فعلت يا عمار.. فلتحرق هذه الرقة مثلما فعلت بقلبي ..سأدفنها وأدفن السر معها ولن أخبر به أحدا..ومرت الأيام والشهور..وإذا بالمصير المحتوم يرقب حمزة ..ويتكلم على لسان السجان..:حمزة شريف..إعدامك بعد ثلاثة أيام..تشبث حمزة بالصبر والإيمان وأيقن أن هذه أشرف ميتة يمكن أن يموتها ..وانفرجت أساريره عندما تذكر أنه أتم خمس مجلدات .. ثلاثة منها..تفسير وتأمل للقرآن .واثنين سماهما ..مذكرات سجين يطير في المجهول..
وأوصى حمزة أصحابه أن يطبعوا له هذه الكتب وألف لهم قصيدة وداع أبكتهم وأبكت مشاعرهم.. وكتب فيها بيتين لعمار أوصاهم أن يعطوه إياها (إذا رجع من الغرفة المظلمة أو خرجوا من السجن ولاقوه ) بيتين لم يفهم منهما أحد شيئا :
قولوا لعمار إني قد غفرت له لا يؤمن المرء إن لم يعف إحسانا
وكانت القصيدة النونية الطويلة التي ألفها حمزة تنتهي بهذا البيت:
هذا الوداع أراه مثمرا عطرا عند الجنان بظل العرش تحنانا

_________________
[img]
avatar
الغالي علوش

عدد الرسائل : 118
الموقع : www.hbak.ba7r.org
تاريخ التسجيل : 19/08/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.hbak.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى